أبي طالب المكي

90

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

لأن من عرفه أحبه ، ومن أحبه نظر إليه ، ومن نظر إليه عكف عليه . أما فهمت هذا من قوله تعالى : * ( وانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً ) * [ طه : 97 ] . ومن فرائض المحبة وفضائلها ، موافقة الحبيب فيما أحب حبّ الله . كما قال عمر رضي الله عنه لصهيب رحم الله صهيبا : لو لم يخف الله لم يعصه ، أي أنّ محبته له تمنعه من مخالفته عن غير خيفة ، فهو يطيعه حبّا له . وكان صهيب يقول إنّه يستخرج من حبي لربي شيئا لا يستخرجه غيره ، يعني من معاني الصفات المخوفة والأفعال المرجوة . وقال بعض علمائنا : الإيثار يشهد للحب ، فعلامة حبه إيثاره على نفسك . وقال : ليس كل من عمل بطاعة الله صار حبيبا لله ، ولكن كل من اجتنب ما نهاه صار حبيبا وهذا كما قال : إنّ المحبة تستبين بترك المخالفة ، ولا تبين بكثرة الأعمال . كما قيل : أعمال البرّ يعملها البرّ والفاجر والمعاصي لا يتركها إلا صديق . وقيل : أفضل منازل الطاعات الصبر على الطاعات ، وإن الصبر على الطاعة يضاعف إلى سبعين ، والصبر عن المعصية يضاعف إلى سبعمائة كأنه أقيم مقام المجاهد في سبيل الله ، لأنه يقع اختبارا من الله وضرورة من كلية النفس ، فإذا ترك هواه فقد ترك نفسه ، فأقلّ ما له في ذلك الزهد في الدنيا والجهاد في سبيل الله ، ومن أجل ذلك ضوعفت حسناته إلى سبعمائة ، ومن أجله ثبتت له المحبة بترك المخالفة . قال الله تعالى : * ( ولِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) * [ الرحمن : 46 ] . تفضله على غيره بحبه ، وأعجب ما سمعت في هذا أنّ موسى سأل الخضر : بأي شيء بلغت هذه المنزلة ؟ فقال : بترك المعاصي كلها . وقد كان أبو محمد يقول في قوله تعالى : * ( إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ ) * [ التوبة : 111 ] . قال : عيش نفوسهم الفاني وهو عاجل حظوظهم من الشهوات ، ومن المحبة وجود الروح بالشكوى إليه والاستراحة إلى علمه به وحده ، وإخلاص المعاملة لوجهه وحسن الأدب فيها ، وهو الإخفاء لها وكتم ما يحكم به من الضيق والشدائد ، وإظهار ما ينعم به من الإلطاف والفوائد وكثرة التفكر في نعمائه وخفيّ ألطافه ، وغرائب صنعه وعجائب قدرته وحسن الثناء عليه في كل حال ، ونشر الآلاء منه والأفضال والصبر على بلائه ، لأنه قد صار من أهله وأوليائه . وقد يعسف بأوليائه ويعنف بأحبابه لتمكنه منهم ومكانتهم عنده ، ولعلمه أنهم لا يريدون له بدلا ولا يبغون عنه حولا ، إذ ليست لهم راحة لسواه ولا بغية في سواه ولا لهم همّة إلَّا إياه . كما قال بعض المحبين : ويلي منك وويلي عليك ، أفزع منك وأشتاق إليك ، إن طلبتك أتعبتني وإن هربت منك طلبتني ، فليس لي معك راحة ولا لي في غيرك استراحة . ثم المسارعة إلى ما ندب إليه من أنواع البرّ بوجود الحلاوة وبشرح الصدر كما جاء في الأثر ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه . ثم الرضا بقضائه لأنه مستحسن لأفعاله . ثم اللهج بذكره ومحبة من يذكره ومجالسة من يذكره ، ودوام التشكي